سيد محمد طنطاوي

244

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب في القيامة ، وتأكد هذا بقوله : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ . . « 1 » . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته فقال : * ( اللَّه خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) * . أي : اللَّه - تعالى - هو وحده الخالق لكل شيء في هذا الكون ، وهو - سبحانه - المتصرف في كل شيء في هذا الوجود ، بحيث لا يخرج مخلوق عن إذنه ومشيئته . * ( لَه مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * أي : له وحده مفاتيح خزائنهما ، والمقاليد جمع مقلاد ، أو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، مأخوذ من التقليد بمعنى الإلزام . أي : أنه لا يملك أمر السماوات والأرض ، ولا يتمكن من التصرف فيهما غيره - تعالى - . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( لَه مَقالِيدُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * : أي : هو مالك أمرهما وحافظهما لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها ، هو الذي يملك مقاليدها ، ومنه قولهم : فلان ألقيت إليه مقاليد الملك ، وهي المفاتيح ، ولا واحد لها من لفظها وقيل : جمع مقليد . . والكلمة أصلها فارسية . فإن قلت : ما للكتاب العربي المبين وللفارسية ؟ قلت : التعريب أحالها عربية ، كما أخرج الاستعمال المهمل عن كونه مهملا ، « 2 » . ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال : * ( والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّه أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * أي : والذين كفروا بآيات اللَّه التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيته ، أولئك هم البالغون أقصى الدرجات في الخسران . وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( ويُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اتَّقَوْا ) * وما بينهما اعتراض للدلالة على هيمنة اللَّه - تعالى - على شؤون خلقه . . أي : وينجى اللَّه الذين اتقوا بمفازتهم . . والذين كفروا بآيات اللَّه أولئك هم الكاملون في الخسران . وهذه المقابلة فيها ما فيها من تأكيد الثواب العظيم للمتقين ، والعقاب الأليم للكافرين . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يوبخ الكافرين على جهالاتهم . فقال : * ( قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّه تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 267 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 140 .